مخاض النظام العالمي الجديد وصراع المضيق
كونيتيكت | الولايات المتحدة - أ.ق.ت - فادى لبيب : لا ينظر راي داليو، مؤسس "بريدج ووتر" وأحد أعظم عقول الاستثمار في العصر الحديث، إلى التوترات في الشرق الأوسط كمجرد صراع إقليمي عابر أو أزمة مؤقتة في إمدادات الطاقة ...
بالنسبة لداليو، نحن نعيش الآن ذروة ما يسميه "الدورة الكبرى" (The Big Cycle)، وهي اللحظة التاريخية التي تتصادم فيها القوة المهيمنة المتراجعة مع القوى الصاعدة في اختبار نهائي للإرادة والقدرة.تأتي تحذيراته الأخيرة بشأن مضيق هرمز كجرس إنذار لسقوط "أحجار الدومينو" الجيوسياسية. فهو يرى أن التاريخ لا يعيد نفسه فحسب، بل يسير وفق أنماط رياضية واقتصادية متكررة شهدتها البشرية على مدار 500 عام؛ من سقوط الإمبراطورية الهولندية أمام البريطانية، ثم تراجع بريطانيا أمام الولايات المتحدة. واليوم، يضع داليو إصبعه على الجرح الغائر في الجسد الأمريكي: الفجوة بين الالتزامات العسكرية العالمية والقدرة المالية المنهكة.
إن اختيار داليو لمصطلح "لحظة سويس" (Suez Moment) ليس عشوائياً؛ فهو يشير إلى تلك النقطة التي تدرك فيها القوة العظمى أن "هيبتها" قد تآكلت، وأن حلفاءها ودائنيها بدأوا في البحث عن بدائل.
في رؤية داليو، لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر مائي لمرور ناقلات النفط، بل تحول إلى "ميزان القوى"؛ فمن يسيطر على تدفق الدماء في شرايين الاقتصاد العالمي، يمتلك حق كتابة قواعد النظام المالي القادم.
بينما يراقب المستثمرون شاشات التداول لمتابعة أسعار "خام برنت"، يراقب داليو ما هو أبعد: يراقب ثقة العالم في الدولار الأمريكي كعملة احتياط، ويراقب صمود "البترودولار" أمام زحف العملات الشرقية. إن المعركة القادمة في هرمز، حسب هذا التحليل الرصين، هي المعركة الفاصلة التي ستحدد ما إذا كانت الولايات المتحدة ستستمر كشرطي للعالم، أم أننا بصدد إعلان رسمي عن ولادة نظام عالمي متعدد الأقطاب، تكون فيه السيادة لمن يمتلك القدرة على "تحمّل الألم" لا "إلحاقه" فقط.
هذا ونشر راي داليو، مؤسس (Bridgewater Associates)، تحذيراً شديد اللهجة حول الصراع المتصاعد بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى...
ويرى داليو أن المواجهة القادمة حول مضيق هرمز لن تحدد أسعار النفط فحسب، بل ستحدد مصير النظام العالمي الذي تقوده واشنطن.
السيطرة على المضيق: معيار النصر والهزيمة
في منشور مطول، جادل داليو بأن السيطرة على هذا الممر المائي، الذي يمر عبره خُمس إمدادات النفط العالمية، هي "حجر الزاوية" في الصراع الحالي. وبحسب رؤيته:
الفشل الأمريكي: إذا تمكنت إيران من فرض سيطرتها أو حتى القدرة على التفاوض بشأن هوية السفن المارة، ستُعتبر الولايات المتحدة "خاسرة" للحرب، بغض النظر عن أي نتائج عسكرية أخرى.
التاريخ يعيد نفسه: شبّه داليو هذا الموقف بـ أزمة قناة السويس عام 1956، التي كانت بمثابة الإعلان الرسمي عن نهاية الإمبراطورية البريطانية كقوة عالمية مهيمنة.
التهديد الوجودي للدولار والديون الأمريكية
حذر داليو من أن أي كشف عن "ضعف" القوة المهيمنة (الولايات المتحدة) وهي في حالة "إرشاد مالي" (ثقل الديون)، سيؤدي إلى عواقب وخيمة:
فقدان الحلفاء والدائنين الثقة في القيادة الأمريكية.
تراجع مكانة الدولار كعملة احتياطية عالمية.
توجه المستثمرين لبيع أصول الديون الأمريكية واللجوء إلى الذهب.
بروز تهديد "البترويوان"؛ حيث تشير التقارير إلى سماح طهران بمرور ناقلات النفط التي تتعامل باليوان الصيني بدلاً من الدولار.
"في الحرب، قدرتك على تحمل الألم أهم من قدرتك على إلحاقه." - راي داليو، مشيراً إلى أن استراتيجية إيران تعتمد على استنزاف النفس الطويل للولايات المتحدة.
ضبابية المشهد الميداني والسياسي
يأتي هذا التحذير في وقت يسوده الارتباك:
إغلاق فعلي: المضيق شبه مغلق للأسبوع الثالث، وسط أنباء عن احتمالية وجود ألغام بحرية.
تخبط التحالفات: دعوات الرئيس ترامب لتشكيل قوة مرافقة دولية لم تلقَ استجابة واسعة حتى الآن، وسط تصريحات متناقضة منه حول حاجة بلاده للحلفاء.
الموقف الإيراني: تصريح وزير الخارجية عباس عراقجي بأن المضيق "مفتوح فقط للأصدقاء"، مما يعزز فكرة استخدامه كسلاح سياسي واقتصادي.
اختبار القوة العظمى
يختتم داليو رؤيته بأن المعركة الحاسمة لم تبدأ بعد. فإما أن يثبت ترامب قدرة الولايات المتحدة على فرض حرية الملاحة والقضاء على التهديد الإيراني — مما سيعزز الثقة العالمية في واشنطن — أو أن الفشل سيؤدي إلى ضرر لا يمكن إصلاحه بالهيمنة الأمريكية والمنظومة المالية العالمية.
عن راي داليو (Ray Dalio)
راي داليو (ولد في 8 أغسطس 1949) هو مستثمر ومدير صناديق تحوط أمريكي، مؤسس شركة Bridgewater Associates، التي تُعد من أكبر وأنجح صناديق التحوط في العالم. يُعرف بلقب "ستيف جوبز الاستثمار"، وقد صُنف ضمن قائمة "تايم 100" لأكثر الشخصيات نفوذاً، وتُقدر ثروته بمليارات الدولارات، وهو مؤلف الكتاب الشهير "المبادئ" (Principles).
المصدر:
اختبار الهيمنة الأخير، إذ يرى راي داليو أن معركة مضيق هرمز ليست مجرد نزاع حدودي، بل هي "ساعة الحقيقة" للنظام العالمي الحالي. فإذا عجزت الولايات المتحدة عن تأمين هذا الشريان الحيوي، فإن الانهيار لن يقتصر على خطوط الملاحة، بل سيمتد ليضرب أساسات الدولار الأمريكي وهيبة الإمبراطورية. إنها اللحظة التي سيتحدد فيها ما إذا كانت واشنطن لا تزال تملك زمام المبادرة، أم أن العالم بصدد طي صفحة القطب الواحد إلى الأبد.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق