بقلم/ الدكتورة هدى المنشاوي ***
منذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، انشغل العالم بمحاولة تفسير إيقاع السياسة الأمريكية الجديدة. فالتصعيد التجاري مع الحلفاء، والضغوط المتزايدة على كندا والمكسيك، والاهتمام الاستراتيجي بغرينلاند، والمواجهة المفتوحة مع إيران، جميعها تبدو للوهلة الأولى قرارات متفرقة يصعب جمعها داخل إطار واحد ...
لكن ماذا لو كانت الصورة مختلفة تماماً؟
هذا هو السؤال الذي يطرحه البروفيسور الصيني جيانغ شيويه تشين في إحدى قراءاته الجيوسياسية، والتي تنطلق من فرضية مفادها أن ما يبدو للعالم سلسلة من الأزمات قد يكون، في الواقع، عملية إعادة هندسة شاملة للنظام الاقتصادي والسياسي الدولي.
هذه الرؤية لا تتعامل مع الأحداث باعتبارها ردود أفعال سياسية، وإنما باعتبارها أجزاء مترابطة داخل مشروع استراتيجي طويل المدى، هدفه الانتقال من نظام العولمة الذي قادته الولايات المتحدة لعقود، إلى نظام جديد تُبنى فيه القوة على السيطرة على الموارد الحيوية وسلاسل الإمداد، وليس على الاتفاقيات متعددة الأطراف.
الجغرافيا قبل السياسة
يرى البروفيسور أن نقطة الانطلاق ليست واشنطن، وإنما مضيق هرمز.
فالمضيق لا يمثل مجرد ممر بحري، بل أحد أهم مفاتيح الاقتصاد العالمي. ويستند التحليل إلى حقيقة أن اقتصادات آسيوية وأوروبية كبرى تعتمد بدرجات متفاوتة على نفط الخليج، وهو ما يجعل أي اضطراب طويل في حركة الملاحة هناك قادراً على إحداث صدمة عالمية في أسعار الطاقة والإنتاج الصناعي وسلاسل النقل.
وبحسب هذه القراءة، فإن أي مواجهة واسعة مع إيران لن تكون مجرد حرب إقليمية، بل أزمة اقتصادية عالمية تعيد رسم موازين القوة بين المنتجين والمستهلكين.
المستفيد من صدمة الطاقة
السؤال الأكثر حساسية ليس من سيخسر، بل من يمتلك القدرة على الصمود؟
هنا يلفت التحليل إلى أن أمريكا الشمالية تتمتع بدرجة مرتفعة من الاكتفاء في الطاقة مقارنة بالعديد من الاقتصادات الصناعية، سواء عبر الإنتاج الأمريكي أو الموارد الكندية، إضافة إلى الثروات الضخمة الموجودة داخل القارة الأمريكية.
ومن ثم، فإن أزمة طاقة عالمية – وفق هذه الفرضية – قد تمنح واشنطن ميزة تنافسية غير مسبوقة، بينما تجد أوروبا وآسيا نفسيهما أمام ارتفاع حاد في تكاليف الطاقة والإنتاج.
ولا يتوقف الأمر عند النفط والغاز، بل يمتد إلى الأسمدة والمواد الخام وسلاسل الإمداد الزراعية، باعتبارها عناصر لا تقل أهمية في تشكيل النفوذ الاقتصادي العالمي.
من الديون إلى النفوذ
الجزء الأكثر إثارة في التحليل يتعلق بالدين الأمريكي، الذي يمثل أحد أكبر التحديات أمام الاقتصاد الأمريكي.
فالطرح يفترض أن إعادة تشكيل النظام العالمي قد تحول هذا العبء إلى مصدر قوة.
إذا أصبحت الدول الصناعية أكثر اعتماداً على الولايات المتحدة في تأمين الطاقة والموارد الأساسية، فإن قدرتها على الابتعاد عن الدولار أو تقليص استثماراتها في الأصول الأمريكية قد تصبح أكثر محدودية، ليس بسبب الأسواق المالية وحدها، وإنما بسبب احتياجاتها الاقتصادية والاستراتيجية.
بهذا المعنى، لا يعود الدولار مجرد عملة احتياط، بل يصبح جزءاً من منظومة أوسع تتحكم في تدفقات الطاقة والغذاء والتكنولوجيا.
نهاية العولمة؟
يرى البروفيسور أن العالم قد يكون أمام نهاية مرحلة تاريخية بدأت بعد الحرب العالمية الثانية، حيث قامت الولايات المتحدة بقيادة نظام اقتصادي عالمي يقوم على حرية التجارة والانفتاح وحماية الحلفاء.
أما المرحلة الجديدة، بحسب فرضيته، فتقوم على بناء كتلة أمريكية شمالية أكثر اكتفاءً ذاتياً، تضم الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، مع أهمية متزايدة لغرينلاند بما تمتلكه من معادن استراتيجية نادرة.
ويصف هذا النموذج بمفهوم "The Technate"؛ أي اقتصاد يتمحور حول السيطرة على الموارد والتكنولوجيا والبنية الصناعية، بحيث تصبح القدرة على التحكم في سلاسل الإمداد أهم من توسيع النفوذ العسكري التقليدي.
بين الفرضية والواقع
لا يوجد ما يثبت أن السياسة الأمريكية تُدار وفق هذا السيناريو تحديداً، كما أن كثيراً من عناصره تبقى محل نقاش واسع بين الباحثين في العلاقات الدولية والاقتصاد السياسي.
لكن أهمية هذه القراءة لا تكمن في الجزم بصحتها، وإنما في أنها تقدم إطاراً مختلفاً لفهم التحولات الجارية، بعيداً عن تفسير كل أزمة باعتبارها حدثاً منفصلاً.
فالعالم يعيش بالفعل مرحلة انتقالية تتداخل فيها المنافسة على الطاقة والمعادن النادرة، وأمن الغذاء، والذكاء الاصطناعي، وسلاسل الإمداد، مع التنافس الجيوسياسي بين القوى الكبرى.
ومن هنا، يصبح السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان ترامب يثير الأزمات، وإنما ما إذا كانت تلك الأزمات جزءاً من انتقال تاريخي نحو نظام عالمي جديد، تُقاس فيه القوة بامتلاك الموارد الاستراتيجية والقدرة على التحكم في تدفقها، أكثر مما تُقاس بحجم الجيوش أو عدد الاتفاقيات الدولية.
قد يختلف المحللون حول الإجابة، لكن المؤكد أن العالم الذي عرفناه خلال العقود الثلاثة الماضية لم يعد كما كان، وأن قواعد اللعبة الدولية تشهد تحولاً عميقاً ستكون آثاره حاضرة لسنوات طويلة.
______
*** بقلم/ الدكتورة هدى المنشاوي
العضو المنتدب للمجموعة المصرية لتداول الأوراق المالية
ورئيس الجمعية المصرية للتنمية والاستثمار

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق